محمد بن جرير الطبري
585
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
استكره وحشر فهرب ولم يقاتل ، أو استسلم ، فانا بأرض رغيبه ، والأرض خلاء من أهلها ، وعددنا قليل ، وقد كثر أهل صلحنا ، وان اعمر لنا وأوهن لعدونا تألفهم فقام عمر في الناس فقال : انه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه ولا يضر الا نفسه ، ومن يتبع السنة وينته إلى الشرائع ، ويلزم السبيل النهج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة ، أصاب امره ، وظفر بحظه ، وذلك بان الله عز وجل يقول : « وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً » ، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم ، وجلا أهله ، وأتاهم من أقام على عهدهم ، فما رأيكم فيمن زعم أنه استكره وحشر ، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا ، وفيمن أقام ولم يدع شيئا ، ولم يجل ، وفيمن استسلم فاجمعوا على أن الوفاء لمن أقام وكف لم يزده غلبه الا خيرا ، وان من ادعى فصدق أو وفي فبمنزلتهم ، وان كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم ، وان يجعل امر من جلا إليهم ، فان شاءوا وادعوهم وكانوا لهم ذمه ، وان شاءوا تموا على منعهم من ارضهم ولم يعطوهم الا القتال ، وان يخيروا من أقام واستسلم : الجزاء ، أو الجلاء ، وكذلك الفلاح . وكتب جواب كتاب انس بن الحليس : اما بعد ، فان الله جل وعلا انزل في كل شيء رخصه في بعض الحالات الا في امرين : العدل في السيرة والذكر ، فاما الذكر فلا رخصه فيه في حاله ، ولم يرض منه الا بالكثير ، واما العدل فلا رخصه فيه في قريب ولا بعيد ، ولا في شده ولا رخاء ، والعدل - وان رئى لينا - فهو أقوى وأطفأ للجور ، واقمع للباطل من الجور ، وان رئى شديدا فهو انكش للكفر ، فمن تم على عهده من أهل السواد ، ولم يعن عليكم بشيء ، فلهم الذمة ، وعليهم الجزية ، واما من ادعى انه استكره ممن لم يخالفهم إليكم أو يذهب في الأرض ، فلا تصدقوهم بما ادعوا من ذلك الا ان تشاءوا ، وان لم تشاءوا فانبذوا إليهم ، وابلغوهم مأمنهم